أنت هنا

تقديم دعم الصحة النفسية في اليمن رغم كل الصعاب

صنعاء ، اليمن - أثرت سنوات الحرب والفقر والعنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل خطير على الصحة النفسية والعقلية للعديد من النساء والفتيات في اليمن. وتفاقم الوضع أكثر مع جائحة كوفيد-19 والعواقب الاقتصادية المصاحبة لها.

كل هذه الضغوطات واجهتها مروة * دفعة واحدة.

عندما كانت في التاسعة من عمرها فقط ، تولت مروة رعاية إخوتها الصغار بعد طلاق والديها. علاوة على هذا العبء ، بدأ والدها غير المستقر نفسيا في الاعتداء عليها وضربها بشدة ورفض السماح لها بالذهاب إلى المدرسة. في الآونة الأخيرة  أجبرها والدها على الزواج من رجل يكبرها بالعمر و لم تبلغ مروة من العمر 16 عامًا.

تقول إشراق، الطبيبة النفسية في مركز الاستشارات النفسية والأسرية الذي يدعمه صندوق الأمم المتحدة للسكان في العاصمة صنعاء: "لم يكد يمر أسبوعان على زفافها، حتى اتصلت مروة بالخط الساخن للإرشاد الأسري وكانت في حالة مزرية".

بعد الزفاف، واجهت مروة اضطرابات في الأكل والنوم وقلق شديد على أخواتها الصغار، وضاعف من تلك الحالة المخاوف بشأن جائحة كورونا والصراع المتصاعد. وبدأت حالتها تتدهور بشكل ملحوظ. 

الاحتياجات في إزدياد

يقدر أن واحدًا من كل خمسة أشخاص في اليمن يعاني من اضطرابات نفسية، وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري في اليمن عام 2017. وقد يكون هذا الرقم الآن أعلى بكثير مع انتشار مخاوف جائحة كوفيد-19 في البلاد واستمرار الصراع في البلاد.

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تم تأكيد أكثر من 2000 حالة إصابة بـ كوفيد 19 في اليمن. يرن هاتف إشراق على الخط الساخن للصحة النفسية أكثر من أي وقت مضى.

لكن توفير رعاية الصحة النفسية نادر في اليمن. فالمرض النفسي  هو وصمة عار شديدة، وعدد الأطباء النفسيين قليل جدا مقارنة بعدد السكان. حتى أنه تم إغلاق بعض خدمات الصحة النفسية بسبب الوباء.

وأوضحت إشراق: "أتلقى حوالي 15 إلى 20 مكالمة يوميًا من أشخاص يحتاجون إلى دعم نفسي ومساعدة. تهدف خدماتنا الهاتفية في الغالب إلى خدمة الأشخاص الذين يعيشون في المناطق النائية والذين يجدون صعوبة في السفر لتلقي العلاج المباشر، ويواجهون صعوبات اقتصادية، ولا يُسمح لهم بالتماس العلاج من قبل أسرهم، أو يخشون من الوصم المجتمعي  إذا تم معرفة حالتهم المرضية."

و توضح الدكتورة إشراق بإن الوباء أدى إلى تفاقم الفقر والعنف والذي بدوره يزيد الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية.

وأضافت قائلة: "أدى انتشار فيروس كورونا إلى زيادة الحالات بشكل ملحوظ. الكثير من الأفراد خسروا أعمالهم وزادت الأعباء التي يواجهونها بالفعل نتيجة للصراع، و تفككت وارتفعت معدلات العنف وحالات الطلاق. نحن الآن لا نتلقى المكالمات فقط من المناطق النائية، ولكن أيضا من أشخاص من مختلف الطبقات الاجتماعية، بما في ذلك أطباء و أكاديميين وطلاب ماجستير وغيرهم الكثير."

لطالما قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان الدعم النفسي والاجتماعي للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

في البداية تم تقديم هذه الخدمات من قبل الأخصائيين الاجتماعيين، وفي عام 2018 بدأ صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقديم المشورة من خلال مراكز الدعم النفسي. تقدم هذه المراكز رعاية صحية نفسية متخصصة وسريرية، بما في ذلك تقديم الخدمة والمشورة عبر الهاتف. تعمل حاليًا ستة مراكز دعم نفسي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان، اثنان منها مدعومان من قبل الاتحاد الأوروبي عن طريق إدارة  المساعدات الإنسانية والحماية المدنية  .

استجابة للطلب المتزايد على هذه الخدمات ، قام صندوق الأمم المتحدة للسكان بزيادة عدد الأخصائيين مثل إشراق ، المتاحين لتقديم خدمات الاستشارة عن بعد من خلال 18 خطًا ساخنًا مجانيًا للاستشارات عن بُعد ، تم إنشاؤها لمساعدة الناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي وتقديم معلومات عن فيروس كورونا المستجد.

تلقى ما يقرب من 18,000 شخص دعمًا نفسيًا متخصصًا من خلال الخط الساخن المجاني منذ عام 2018 ، وتلقى أكثر من 25,000 من الناجين من العنف الدعم النفسي من خلال الاستشارة الشخصية.

مساعدة لجميع أفراد الأسرة

صرخة مروة للمساعدة لم تنقذها هي فقط بل أنقذت عائلتها أيضا.

وقالت إشراق: "بعد تشخيص حالة مروة، وجدنا أن الحل يتمحور حول علاجها وتقديم الدعم النفسي لوالدها."

بموافقة مروة، استطاع المستشارون تأمين علاج نفسي لوالدها الذي كان يعاني من كثرة الشكوك والأوهام.

كما ركز المستشارون على احتياجات مروة الخاصة، ومنها تقدير الذات. 

قالت إشراق: "أوضحت لها أنها فتاة قوية، فقد اهتمت بأخواتها ونفسها ووالدها بعد رحيل والدتها، وجعلتها ترى إنجازاتها في حياتها."

إجمالاً، تلقت مروة أكثر من اثنتي عشرة جلسة علاجية عبر الهاتف، ساعدها المستشارون على التدرب على المهارات الحياتية ومهارات حل المشكلات وأدوات أخرى لتنعم بصحة نفسية جيدة.

الخدمات مهددة بالخطر

لكن هذه الخدمات مهددة بالخطر في وقت الحاجة إليها شديدة.

بدأ تمويل هذه الخدمات الإنسانية الأساسية في النفاد حيث سيضطر صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تعليق خمسين في المائة من برامجه للتصدي للعنف القائم على النوع الإجتماعي بحلول نهاية سبتمبر. و سيتم إغلاق الخدمات المتخصصة للناجين في 29 مكانًا آمنًا في 21 محافظة وأربعة مراكز نفسية متخصصة في محافظات عدن وصنعاء وحضرموت إذا لم يتم الحصول التمويل.

إن تقليص هذه الخدمات سيحرم نحو 350 ألف شخص من خدمات متخصصة، وسيفقد 40 ألف شخص في حاجة ماسة إلى خدمات الرعاية النفسية.

تقول إشراق: "أمنيتي الوحيدة هي أن تستمر هذه الخدمة في النمو والتوسع. فالحالات تزداد يوما بعد يوم."

 

* تم تغيير الاسم لدواعي الخصوصية والحماية